وطنالرئيسية
2022-12-01
5 آلاف عام قبل الميلاد شاهدة على وجودها

«دارين» … الدُّرَّة التي توسطت البحر وتغنى بها الشعراء

هاجر آل درويش - خليج الديرة

قصيدة شاعرٍ متغنٍ بفاتنة، لها عطر فواح، وعلى جيدها عقد لؤلؤٍ براق، سمحة المحيا، مألوفة الذكر من قاصٍ ومن دانٍ.

الفاتنة «دارين»، 5 آلاف عام قبل الميلاد تشهد لها بعمقها التاريخي، هي صفحة من صفحات تاريخنا العريق في محافظة القطيف، تعاقبت عليها عصور مختلفة، كشاهدٍ على استقرارٍ بشري منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا.

« دارين » الجزيرة …

في الجنوب الشرقي لجزيرة «تاروت» الأم، تطفو جزيرة «داربن» سابحة بالقرب منها في مياه الخليج العربي.

وذكر الباحث التاريخي جعفر البحراني، إن جزيرة دارين اليوم تمثل ثلاث جزر صغيرة وهي( دارين، وشرق، والحالة ). 

وفي اسمها تعددت الأقوال، فمنهم من يقول أنه نسبة إلى «داري» بنت كسرى، غير أنه في العربية ينبثق من مصدر «الدراية»، دار، ويدري، أي يعلم.

«دارين» الميناء، والمرفأ…
يَمُرَّونَ بالدهنَا خِفافًا عِيابُهُم
ويَخَرُجنَّ مِن دارِينَ بُجرَ الحَقائِبِ

هي دارين أغنية شاعر، وأهزوجته، عُرفت كميناء تجاري، تصله بضائع المسك والتوابل، ويخرج منه السلوق وغيره من البضائع المختلفة.

ولها مرفأ من أهم مرافئ صيد اللؤلؤ في الخليج، وكانت تنطلق منها مراكب كثيرة، وبذلك اجتذبت مجموعة كبيرة من تجار اللؤلؤ في الخليج، وحتى العائلات التي سكنتها بعضها ورد من عمان، وسواحل الإمارات، ومن قطر، والبحرين، والساحل العربي الإيراني، ومن البصرة كذلك وما جاور شط العرب.

جذرها عميق لما قبل الإسلام …

آثارٌ كثيرة وجدت عند الحفر؛ لتدل على جذرٍ تاريخي عميق للمنطقة، منها الآنية الفخارية التي وُجدت عند حفر بيت «العواد» في دارين، كما يقول الباحث «البحراني»، وعند الفحص الكربوني قُدرت بأنها تعود للقرن السابع الميلادي أي ما قبل البعثة النبوية، كما وُجد في حفريات أخرى نقود تعود للعهد الإسلامي.

ولدارين أيضًا قلعةٌ قديمة أبان العهد العثماني، سكنها تاجر اللؤلؤ المعروف محمد بن عبد الوهاب الفيحاني ، وسقطت من تلقاء نفسها قبل 20 عاماً من اليوم.

معاهدة «دارين» …

وفي 26 ديسمبر من عام 1915م وقعت في دراين معاهدة سياسية بين الملك عبد العزيز آل سعود- رحمه الله – وبين ممثل الحكومة البريطانية (السير بيرسي كوكس)، نصت على اعتراف الحكومة البريطانية بأن مناطق نجد، والأحساء، والقطيف، والجبيل تابعة للملك عبد العزيز، وإلى وقتٍ قريب كان يوجد في دراين نُصب تذكاري لهذه المعاهدة.

حضاراتٌ متعاقبة …

 

لتلك البلدة الواقعة قبالة الساحل الشرقي لواحة القطيف من الخليج العربي، بالمنطقة الشرقية، تاريخٌ حافلٌ بالحضارات والأمم، واحدة تلو الأخرى، حضارات متعاقبة عبر آلالاف السنين كما يشير إلى ذلك الباحث التاريخي «محمد خان».

وأضاف، دلت الحفريات التي خضعت لها المنطقة على وجود آثار قديمة تعود لعصر ما قبل الإسلام وفي صدره، وعهد الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية، وما بعدها، وفي العهد السعودي الأول والثاني.

على لسان الشعراء …

«دارين» الدُّرة التي توسطت البحر، ولها هبات تفردت بها عن سواها؛ كانت محط استقرار عدد من أفراد القبائل الساكنة على ضفتي الخليج العربي، ومن جهة أخرى فقد كان لها ذكرٌ في الشعر الجاهلي والإسلامي، على مختلف عهوده، بدءًا من العصر الجاهلي مرورًا بالعصر الحديث.

قال فيها حميدس الأندلسي:
فكنا مع الليل زوارها
هدانا إليها شذا قهوةٍ
تذيع لأنفك أسرارها
فما فاز بالمسك إلا فتى
تميم دارين أو دارها

وقال الشريف الرضي:
وطاب ثراها والثرى غير طيب وذاب نداها والندى غير ذائب
كأن اليماني ذا العياب بأرضها يقلب من دارين مافي الحقائب

مينائها … مرساته كبيرة

مرساتها كبيرة، كما يصفها الباحث الخان، كناية عن كونها همزة وصل بين مراكز التجارة في جنوب شرقي آسيا، والصين، والهند، وفارس، والبحرين، والبصرة، فالسفن المبحرة من تلك الموانئ وغيرها من الموانئ الأخرى ترسوا في فرضتها، ولأنها كانت منذ القدم من أهم موانئ الخليج العربي التجارية، فتاجرها الدراي اشتهر بتجارة وصناعة البخور والطيب، ومن أشهره المسك الذي كان يجلبه تجار الهند، وكان سوقه في دارين، ومنها تُنقل بضائعها المختلفة إلى اليمامة، والحجاز، والعراق، عبر مسارات الطرق البحرية والبرية المعروفة.

وفي ذلك قال فيها الشاعر الجعدي:
أُلقي فيها فِلجان من مسك دارين وفلج من فلفل ضرم

مهن ارتبطت بهويتها …

ولأن مينائها من أقدم موانئ الخليج العربي المعروفة، فقد عمل الكثير من أهلها في المهن المرتبطة بالنشاط البحري التجاري، كمهنة البحث عن اللؤلؤ خلال موسم الغوص، كما كانت شواطئها مكانًا تبنى عليه العديد من أنواع السفن، أو ترسو فيها بغرض إصلاحها من العطب، وتموينها بالزاد والمؤن والمياه.

ويضيف، مرَّ الأعشى بجزيرة دارين، ورأى ما يفعله الغاصة وما يلقونه من أهوال في سبيل الحصول على اللؤلؤ، فقد وصف حبيبته بالدرة الزهراء التي أخرجها غواص دارين معرضًا نفسه للغرق والهلاك في سبيلها، وهذا الغواص ظل يطلب تلك الدرة منذ أن طرَّ شاربه حتى هرم وأدركته الشيخوخة، دون ملل أو يأس، يدفعه الأمل، وتحرقه الرغبة في الحصول عليها.

فيقول الأعشى:
لأنها دُرَّةٌ زهراءُ أخرجها غواص دارين لا يخشى دونها الغرقا

وخبت نورها …

ومن عهدٍ إلى عهد، ظلت الجزيرة «دارين» لها أهمية خاصة منذ صدر الإسلام وفي العهد الأموي، غير أن شهرتها انكمشت عقب ظهور ميناء البصرة، وأصبح مركزًا تجاريًا في العصر العباسي، ومن جهة أخرى أخذت تجارة اللؤلؤ تنشط فيها خاصة، وأصبحت من أهم مراكز صيده واستخراجه، فيقصدها التجار لبيع وشراء اللؤلؤ، ولم يذكر التاريخ أية أحداث مرت عليها بعد نهاية الدولة العباسية حتى العصر الحديث، ولكنها تأثرت بطريقة غير مباشرة من خلال الأحداث التي صاحبت حركة القرامطة، والتي كان للقطيف نصيب منها خلال تلك الحقبة.

من عهدٍ إلى عهدِ.. والدولة السعودية وتعاقبت السنون، وانطوت أيامها، وظهرت الدولة السعودية الأولى والثانية، فكان لظهورها، وامتدادها ناحية الساحل الغربي للخليج العربي والجزيرة العربية أثره في تفيير مسار السيطرة الإنجليزية والعثمانية على إمارات الساحل الغربي للخليج العربي، في حين حاولت الدولة العثمانية فرض سيادتها على السواحل الغربية للخليج العربي، بحجة أنها تمثل المسلمين وتتبع الباب العالي من خلال عدة حملات كانت آخرها في عام 1288هـ/ 1871م، بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي آل سعود، بسبب تنازع أبنائه على سدة الحكم، واتخاذ العثمانيون من دارين سكنًا لجنودهم، نظرًا لاعتدال جوها مقارنة بباقي مناطق القطيف.

ومع مرور الزمن اختل الأمن فيها، وأصبحت الجزيرة مرتعًا لعمليات السلب والنهب التي كانت تتعرض لها السفن المبحرة في الخليج العربي.

الفيحاني .. وحكومته الإدارية

ويواصل الباحث «الخان» سرده لتاريخ «دارين» الحافل بمجريات شكلت منها منطقة لا يغض عنها طرف، وحيث العهود المتعاقبة والأحداث المتواصلة، فقد كانت الحالة الأمنية فيها وفي قطر كذلك مضطربة، ما بين عامي 1288- 1331هـ/ 1871- 1913م، إبان الحكم العثماني على المنطقة الشرقية وقطر، أدت إلى نزوح محمد بن عبد الوهاب الفيحاني من قبيلة سبيع وتاجر لؤلؤ معروف أيضًا على رأس جماعة من قطر إلى جزيرة دارين، بعد مرورهم بالبحرين، إثر هجوم الشيخ جاسم آل ثاني على قلعته في قرية الغارية في يوم 3 صفر 1303هـ/ 11 نوڤمبر 1885م.

ويتابع، ظلَّ الفيحاني الحاكم الإداري لجزيرة دارين خلال حكم العثمانيين للمنطقة، وهو الذي استقبل الإمام عبد الرحمن بن فيصل وأقربائه وأبنائه، وأحسن وفادتهم قبل أن يرحل منها إلى الكويت، سافر بعدها الفيحاني كعادته في رحلة للهند لبيع ما بحوزته من اللؤلؤ، وتوفي فيها عام 1906م.

 

السيطرة العثمانية …

في العام 1288هـ/ 1871م، تأثرت الجزيرة خلالها لسيطرة الحملة العثمانية الثانية على المنطقة، فتعرضت لعمليات السلب والنهب البحري، على حد تعبير الباحث «الخان»، كما دلَّت الوثائق التاريخية على تنافس القوى المحلية والإقليمية في المنطقة عليها، حتى استردت في عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من العثمانيين، وضُمت إلى بقية مناطق المملكة في العهد السعودي الثالث عام 1331هـ/ 1913م، وبعدها عمَّ الأمن والسلام.

 

معاهدة دارين .. الطريق لاتفاقية العقير

وبعد مرور سنتين من استردادها عقدت فيها معاهدة «دارين» بين الملك عبد العزيز آل سعود وبريطانيا، اعترفت الأخيرة بموجبه بالملك عبد العزيز حاكمًا لنجد وملحاقتها وموانئها، وأنها ملكًا له ولأبنائه من بعده.

هذه المعاهدة مهدت لاتفاقية «العقير» في عام 1340هـ/ 1922م، لترسيم الحدود مع الدول المجاورة، كما كانت جزيرة «دارين» المحطة الأولى لاستقبال الدواسر ومن برفقتهم من القبائل العربية خلال نزوحهم من البديع إلى الدمام عام 1341هـ/ 1923م، وكان ذلك بناءً على نصيحة من الملك عبد العزيز لهم، فأحسن أهل دراين وفادتهم قبل سكنهم في الدمام.

سنة الطبعة والتحولات بعدها ..

وكحال بقية مدن سواحل المنطقة، فقد عاصرت جزيرة دارين( سنة الطبعة )، وفقدت الكثير ممن كان يعمل في مهنة الغوص، ثم بدأت الجزيرة الدخول في مرحلة أخرى فقدت فيها بريقها تدريجيًا، بعد اكتشاف النفط في حقل الدمام عام 1357هـ/ 1938م، فتحول أهلها من مهنة الغوص إلى العمل في شركة أرامكو السعودية، لما تدر عليهم من عوائد مالية أكثر مقارنة بعوائد مهنة الغوص.

ويرجع «الخان» خمول النشاط التجاري لجزيرة دارين لسببٍ آخر أيضًا، وهو نقل إمارة المنطقة الشرقية إلى مدينة الدمام عام 1372هـ/ 1952م، وبناء ميناء الملك عبد العزيز لها لاستقبال السفن الكبيرة، ومد خطوط سكة الحديد الرابط بين ميناء الدمام ومدينة الرياض، مما أدى إلى انتقال معظم أهلها إلى المدن القريبة للعمل وزارت الدولة المختلفة، والشركات النفطية والصناعية والتجارية وغيرها.

«دارين» وجهة سياحية جاذبة …


كانت الجزيرة «دارين» بطابعها التاريخي، وأنماطها العمرانية، محط نظر واهتمام الزائر لهذه البلدة الصغيرة، مستشعرًا عراقتها وماضيها التليد.

ولا تزال حتى اليوم تحمل مستقبلًا سياحيًا واعدًا لما تحويه من آثار قديمة يرجع تاريخها إلى أقدم العصور التي مرت عليها، بعضها مسجل لدى إدارة المتاحف، ومن جانب آخر لم تغفل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني عن تطويرها، فعنيت بالمحافظة على آثارها ملحقًا بها البلدة القديمة من خلال عمليات التنقيب الأثرية، وترميم قلعتها، وجعلها متحفًا مفتوحًا لزائري المنطقة، فضلًا عن المحافظة على تراثها البحري، وتنمية أوجه السياحة المختلفة بها وجعلها نقطة جذب في المنطقة الشرقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى